محمود سالم محمد
322
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يدرك الظروف التي ينظم فيها الشعراء شعرهم ، ففي ذلك الوقت كان الغزل يقتضي وصف محاسن المحبوبة ، وهذا ما فعله كعب حين قدّم لقصيدته بقوله : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البيّن إذ رحلوا * إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكى قصر منها ولا طول « 1 » إن الغزل الذي قدّم به الشعراء لمدائحهم النبوية ، وتابعوا فيه كعب بن زهير - رضي اللّه عنه - هو تقليد شعري محض ، مثل تقليد ابن هتيمل « 2 » الذي نظم مدحة نبوية نهج في أسلوبها ومعانيها منهج القدماء ، وهذا كان أسلوبه في شعره كله ، فلا غرابة حين نجده في مقدمة مدحته النبوية يذكر الأطلال ويتغزل ، ويصف محبوبته بالأوصاف نفسها التي ذكرها القدماء ، وكأن الأمر لا يعدو صورة شعرية تتكرر ، وليست تجارب عاطفية ، أو أوصافا لمحبوبة يعرفها ، ويعرف مواطن الجمال فيها ، ويطلع على مفاتنها ، لذلك نجد مقدمته لمدحته النبوية تسير كالتالي : لولا محبّة أهل الدّار والدّار * ما غاض صبري وجفني ماؤه الجاري ولا عكفت وأصحابي تعنّفني * على العكوف على نؤي وأحجار أستودع اللّه أرواحا رحلن بها * عنّا المهابين أحداج وأكوار
--> ( 1 ) ديوان كعب بن زهير : ص 9 . ( 2 ) ابن هتيمل : القاسم بن علي ، أصله من جنوب الجزيرة العربية ، استقر في مكة يمدح أمراءها ، وهو عربي الأرومة من خزاعة ، توفي سنة ( 656 ه ) . مقدمة ديوانه .